المقريزي
101
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فبعث إليهم وهزمهم ، وبعث إلى الصعيد ، فقدم صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في طلب مروان هو وأبو عون عبد الملك بن يزيد يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة ، فأدرك صالح مروان ببوصير من الجيزة بعد ما استخلف على الفسطاط معاوية بن بحيرة بن ريسان ، فحارب مروان حتى قتل ببوصير يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة ، ودخل صالح إلى الفسطاط يوم الأحد لثمان خلون من المحرّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، وبعث برأس مروان إلى العراق ، وانقضت أيام بني أمية . فولي : صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ، ولي من قبل أمير المؤمنين أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح ، فاستقبل بولايته المحرّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، وبعث بوفد أهل مصر إلى أبي العباس السفاح ببيعة أهل مصر ، وأسر عبد الملك بن موسى بن نصير وجماعة ، وقتل كثيرا من شيعة بني أمية ، وحمل طائفة منهم إلى العراق ، فقتلوا بقلنسوة « 1 » من أرض فلسطين ، وأمر للناس بأعطياتهم للمقاتلة والعيال ، وقسمت الصدقات على اليتامى والمساكين ، وزاد صالح في المسجد ، وورد عليه كتاب أمير المؤمنين السفاح ، بإمارته على فلسطين والاستخلاف على مصر ، فاستخلف أبا عون مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين ، وسار ومعه عبد الملك بن نصير ملزما ، وعدّة من أهل مصر صحابة لأمير المؤمنين ، وأقطع الذين سوّدوا قطائع منها : منية بولاق ، وقرى إهناس ، وغيرها ثم من بعد صالح بن عليّ . سكن أمراء مصر العسكر ، وأوّل من سكنه أبو عون ، واللّه تعالى أعلم . ذكر العسكر الذي بني بظاهر مدينة فسطاط مصر اعلم : أن موضع العسكر قد كان يعرف في صدر الإسلام بالحمراء القصوى ، وقد تقدّم أن الحمراء القصوى كانت خطة بني الأزرق ، وبني روبيل ، وبني يشكر بن جزيلة ، ثم دثرت هذه الخطط بعد العمارة بتلك القبائل ، حتى صارت صحراء ، فلما قدم مروان بن محدم آخر خلفاء بني أمية إلى مصر منهزما من بني العباس نزلت عساكر صالح بن عليّ ، وأبي عون عبد الملك بن يزيد في هذه الصحراء ، حيث جبل يشكر حتى ملؤوا الفضاء ، وأمر أبو عون أصحابه بالبناء فيه ، فبنوا وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة . فلما خرج صالح بن عليّ من مصر خرب أكثر ما بنى فيه إلى زمن موسى بن عيسى الهاشميّ فابتنى فيه دارا أنزل فيها حشمة وعبيده ، وعمر الناس ، ثم ولي : السريّ بن الحكم ، فأذن للناس في البناء ، فابتنوا فيه وصار مملوكا بأيديهم ، واتصل بناؤه ببناء الفسطاط ، وبنيت فيه دار الإمارة ، ومسجد جامع عرف بجامع العسكر ، ثم عرف بجامع ساحل الغلة ، وعملت
--> ( 1 ) قلنسوة : حصن قرب الرملة من أرض فلسطين . معجم البلدان ج 4 / 392 .